تحميل كتاب تأملات في تاريخ الرومان pdf

لم أتوقع على الإطلاق أن يجذبني الكتاب إلى هذه الدرجة .. يبدو من العنوان أنه ممل جدا لكن المحتوى ثري وماتع جدا بالنسبة لي على الأقل ..

في هذا الكتاب يقدم الفيلسوف مونتسكيو تحليلاته العميقة لتاريخ الرومان وتسيد الإمبراطورية آنذاك إلى حين السقوط .. ما الذي أدى إلى تسيدها وما الذي دفعها للسقوط .. كيف كان الرومان يتعاملون مع الأعداء ، وكيف كانت أساليبهم الحربية في تبني الأفضل مهما كان ..وماذا كنت أهدافهم التي يسعون وراءها . كيف أثر تغير الأهداف في مجد الرومان ..


يحلل مونتسكيو تاريخ الرومان من وجهة نظره بطريقة فريدة ورائعة ، فهو تارة يذكرني بابن خلدون وبعض من نظرياته في علم الاجتماع والدول وكيف تقوم وتنهض وكيف تموت ..

يشرح لك التاريخ من وجهة نظره -التي أراها تستحق الاهتمام- بشكل مبسط جدا جدا , لكن يجب أن يكون لديك خلفية جيدة نوعا ما عن روما في ذلك الوقت حتى تستطيع الاندماج أكثر.

يقدم مونتسكيو نظريات في الحكم والشعب بشكل مبسط على شكل تأملات في تاريخ الرومان الطويل والذي يعتبر مادة دسمة للتأمل . فيستنبط أن المساواة في الملكية العقارية مهمة جدا للمواطنين و تؤثر إيجابا في بروز الدولة وتقدمها.

اقتباسات
( عندما قدم تيبريوس غراكوس مشروعه الثوري الرامي إلى إعادة توزيع الملكية العقارية قال مخاطبا أشراف روما " أيهما أنفع لكم، مواطن مقاتل أم مملوك قاعد يتفرج؟ ماذا تفضلون ؟ أن تسودوا على الأرض كلها، وهو ما تتطلعون إليه، أم أن تملكو بضعة أمتار تمتازون بها على الأقران، تبخلون بها عنا، وقد ينزعها منكم العدو إذا انتصر ؟ )

حتما عندما تقرأ الكتاب ستجد أن هناك الكثير منه بل أغلبه ينطبق على واقعنا اليوم وبالإمكان جدا أن تجد التشابهات الواضحة .. يقول مونتسكيو أن الطغيان لا ينتهي بموت الطاغية وأنا أوافقه بشدة ، فبمجرد اختفاء الطاغية لا يعني أن الطغيان انتهى وأن الجياة ستعود جميلة كما لو لم تكن من قبل ،

فمن الأجدى محاربة الطغيان ذاته والذي بدوره سيخفي الطاغية كشخص تلقائيا .. إنها من عبر التاريخ ودروسه التي لاننفك عن تجاهلها وعدم الانتباه لها .. فكما قال : أهواء بني آدم ثابتة لا تتغير. الظروف وحدها تختلف، أما الدوافع العميقة وراء أهم تحولات التاريخ فثابتة دائمة.

طوال وقت قراءتي للكتاب كانت تبرز في ذهني الآية :
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) فلكل شيء نهاية ، لكل جبروت وطغيان قدر محتوم .. لكل مجد ذبول .

الدول تنهض وتموت ، السيطرة إلى زوال و القوة العظمى البشرية في تداول دائم .. هذا ما يقوله القرآن ثم يثبته التاريخ مهما اختلفت الروايات .. نهاية الرومان تزامنت مع ظهور الإسلام وبزوغ حضارة جديدة ومختلفة ، وهذا ما سيحصل اليوم في عالمنا المخيف ، سينتهي كل هذا وربما نشهد بزوغ عالم جديد القوى فيه مختلفة وتوازنها أيضا مختلف عن وقتنا الآن ..

كان من المؤلم جدا لي قراءة هذا السطر : داء البشر المزمن هو الغلوّ في كل شيء ،، الغلو عدو لدود للبشرية ، للتقدم وللسلام .. للتوازن الذي يقود إلى تحقيق العدل .. ومن المؤسف أن التاريخ يتكرر بصور مختلفة فنحن اليوم نمارس الغلو في كل صوره وأنواعه . إن لم تكن متأهبا لقراءة كتاب تاريخي، أو لم يكن لديك الاستعداد "المزاجي" لدروس تاريخية فلا تستغرب أن لا ينال الكتاب إعجابك :)

الكتاب ممتاز والترجمة ممتازة ، أرى أنه كتاب "مكتبة" بجدراة ( يعني اقتناءه ضروري لمكتبتك) لأن ماكتب فيه من تأملات جدير بالاهتمام والدراسة والمقارنة بالوضع.

تعليقات